الثلاثاء , 23 يناير 2018
الرئيسية » مــقالات » إبراهيم عيسى، ومحفوظ، وزويل، وكليات القمة!

إبراهيم عيسى، ومحفوظ، وزويل، وكليات القمة!

تناول الإعلامي الموهوب إبراهيم عيسى (صحيفة المقال 13/8/2016) تعليقه الساخر أسطورة كليات القمة (طب، هندسة، صيدلة، اقتصاد) التي يرنوا إليها، ويحلم بدخولها طلبة الثانوية العامة، ومعهم أولياء أمورهم، وكأن ذلك هو بطاقة الدخول إلى الجنة، والطريق إلى الشُهرة، والثروة والجاه، في الحياة الدُنيا!

ومثل كل ما يجود به قلم إبراهيم عيسى، يكون مدعاة للتأمل والتفكير، وضرورة مُراجعة كثير من المُعتقدات والمُمارسات في حياتنا المصرية المُعاصرة، بين العامة والخاصة على السواء. ولأن هذا هو موسم السباق والتلهف على الالتحاق بأحد كُليات القمة تلك، عادت بي الذاكرة إلى مثل هذه الأيام منذ أكثر من نصف قرن، حينما تقدمت للالتحاق بالجامعة، بعد حصولي على شهادة الثانوية العامة، وكُنت ضمن أوائل تلك الشهادة في ذلك العام. وكم اندهش كثير من الأهل والأصدقاء والزُملاء، باختياري لكلية الآداب، جامعة القاهرة، ثم لتخصّص لم يكن كثيرون قد سمعوا به، وهو علم الاجتماع. ولم تكن لا تلك الكلية، ولا ذاك التخصص، وقتها، ولا الآن، مما يندرج تحت مُسمى كُليات القمة.

ولم أندم، خلال النصف قرن التالي، على ذلك الاختيار، ولم يكن قراري واختياري نتيجة عبقرية موروثة، أو مُكتسبة، ولكن كانت بسبب نصيحة أسداها لي أحد المُعلمين، وأنا ما زلت في صفوف التعليم الثانوي. وسبحان الله كان الرجل شكلاً وموضوعاً، يُشبه الصديق إبراهيم عيسى.

كانت نصيحة أستاذي الراحل الساخر، والمُشرف على فريق التمثيل في مدرستنا، الملك الكامل الثانوية بالمنصورة: “لا يهم أي كلية أو أي تخصص يختاره الطالب، المهم أن يستفتي قلبه، ويختار ما يحب أن يدرسه، ويتفانى في ذلك فيما بعد“. وقد شاء قدري وقدر زميل آخر من نفس المدرسة، في نفس السنة، أن نكون ضمن أوائل الثانوية العامة ـ هو في القسم العلمي، وأنا في القسم الأدبي. ورغم تفوق ذلك الزميل، ومجموعه الذي كان يؤهله لدخول الطب أو الهندسة أو الصيدلة، إلا أنه اختار كلية العلوم، قسم الطبيعة. واخترت أنا كما ذكرت أعلاه، قسم الاجتماع كلية الآداب.

ذلك الزميل، د. حلمي شريف، هو الآن أستاذ الطبيعة النووية في أحد أكبر الجامعات الكندية، بعد رحلة عذاب ومُعاناة، وخيبة أمل، حينما أصاب الإهمال المُفاعل النووي المصري في أنشاص، الذي كان قد تأسّس في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وأهمل في عهد الرئيس الراحل أنور السادات.

لقد كتبت في نفس هذا العمود منذ أسبوعبن، مقالاً بعنوان، في ضيافة د. أحمد زويل، وزوجته السورية ديما الفحّام“. وضمن ما تناوله حديثنا المُمتد في تلك الأمسية بمنزله في جنوب كاليفورنيا، قبل ثلاثة عشر عاماً، ما تُلخصه العبارة المأثورة، لا كرامة لنبي في أهله، أو العبارة الأخرى أن زمّار الحي لا يُطرب“. فكثيراً ما يتم الاعتراف بالمصريين الذين أنجزوا في مجالات تخصصهم في الخارج، قبل أن يحدث ذلك، إن حدث، في وطنه وبين أهله!

وبمناسبة سيرة الراحل أحمد زويل، صاحب نوبل في الكيمياء، جاء ذكر راحل مصري عظيم آخر، وهو نجيب محفوظ. والطريف أنه لا محفوظ ولا زويل، دخلا أو درسا فيما تُسميه الصحافة هذه الأيام، بكليات القمة. ومن المؤكد أن أحداً من خريجي تلك الكليات، منذ بداية الجامعات الوطنية قد حاز من الجوائز العلمية المعروفة في العلوم أو الآداب.

لذلك فإن الدرس الذي يجب أن نبثه ونُعمّقه في عقول وقلوب أبنائنا هو الاجتهاد والتفاني في أي مجال من مجالات الحياة. وضمن دراسات العبقرية، فإن أهم نظرية مُستقاه من سيرة العُظماء على مر القرون، هو ذلك التفاني. وحينما سؤل أينشتاين، مُكتشف قانون النسبية، وأحد آباء القُنبلة الذرية عن سر نبوغه، قال قولته المشهورة: خمسة في المائة وراثة، وخمسة في المائة حظ، وتسعين في المائة سهر وعمل وعرق!

وحينما استرجعت مع الراحل أحمد زويل تلك المقولة لأينشتاين، وافق الرجل عليها على الفور، وقال صدق أينشتاين تماماً.

ولذلك نُكرر لأبنائنا الذين يبدأون دراساتهم الجامعية، مع ظهور هذا المقال في المصري اليوم، والصُحف العربية الأخرى، أنه بصرف النظر عن الكلية أو التخصص الذي دخلوها، سواء برغبتهم أو بقرار مكتب التنسيق، أن الأهم للنبوغ والإنجاز إلى أعلى المراتب المحلية والعالمية هو الجد والاجتهاد والتفاني في أي مجال، سواء كان في الطب البيطري أو الطب البشري، في الأدب العربي أو الاقتصاد الدولي!

والله على ما أقول شهيد

وعلى الله قصد السبيل

د. سعد الدين إبراهيم

semibrahim@gmail.com

تعليقات

تعليقات

شاهد أيضاً

نحو مُصالحة وطنية… للانطلاق نحو المستقبل

في يوم واحد، الثلاثاء 15/11/2016، نشرت نشرت وسائل الإعلام المصرية: * ألغت محكمة النقض الحُكم ...