الجمعة , 15 ديسمبر 2017
الرئيسية » مــقالات » إبراهيم عيسى في رحلة الدم يُبدد أسطورة الفردوس الإسلامي المفقود

إبراهيم عيسى في رحلة الدم يُبدد أسطورة الفردوس الإسلامي المفقود

كتاب إبراهيم عيسى الجديد: رحلة الدم، يُبدد ويكشف أغلى وأكذب ما يتعلمه المسلمون عن تاريخ الأوائل من أبناء دينهم، وخاصة في صدر الإسلام، وعصر الخُلفاء الراشدين (أبو بكر الصديق، وعُمر بن الخطاب، وعُثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب). فقد درجنا على الاعتقاد أن القرن الأول الهجري، حيث تعاقب هؤلاء الخُلفاء الأربعة، بعد وفاة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، كان عصراً ذهبياً، سادت فيه العدالة، والمحبة، والمودة، والتضامن، والإيثار، والتكامل، والتراحم بين المسلمين في مكة والمدينة، وفي البُلدان التي فتحها المسلمون في اليمن والعِراق والشام ومصر.

طبعاً، نحن تعلمنا مروراً، أن ثلاثة من هؤلاء الخُلفاء الراشدين، ماتوا قتلاً على أيدي مسلمين آخرين، من الذين أخذوا دينهم الجديد على أيدي الرسول محمد نفسه. ولكن ما يفعله إبراهيم عيسى فهو تفصيل تفصيل هذه المعلومة، وما انطوت عليه وتبعها من أحداث واقتتال، بين المسلمين الأوائل. وأكثر من ذلك، يحصر لنا إبراهيم عيسى كل الاغتيالات التي حدثت خلال القرون التالية.

وقد عرفت إبراهيم عيسى منذ فترة سجني الأولى (2000-2001)، فقد كان هو الكاتب الصحفي الوحيد، غير الراحل سلامة أحمد سلامة، اللذان لم يُشاركا في الحملة المُمنهجة للهجوم على شخصي بقصد الاغتيال المعنوي، أو ما يُسمى بالإنجليزية Character Assassination . لذلك حرصت في أول فرصة سنحت لي للاتصال به، ولشُكره، ودعوته للقاء في مكتبي بالجامعة الأمريكية، في مقرها القديم بميدان التحرير. وأهداني الرجل روايته الأولى مقتل الرجل الكبير، التي بهرتني بحنّكتها الدرامية، رغم أنها كانت تحكي الصِراع على السُلطة، بعد وفاة الرئيس الذي لم يكن قد عيّن نائباً له. فكتمت حاشية الرئيس، خبر الوفاة عن الشعب، إلى أن يحسموا مسألة مَن سيخلفه. ولأن شخوص الحاشية كانوا، كما تصوّرهم وصوّرهم إبراهيم عيسى، طبق الأصل للشخصيات العامة التي كانت تُحيط بالرئيس مُبارك دون أن يُسمّيهم صراحة، فقد اكتسبت الرواية جاذبية شديدة، لمن يبدأها. وهو ما حدث لي. فلم أتركها إلى أن انتهيت من قراءتها كاملة في يومين مُتتاليين، رغم ضخامتها (357 صفحة) من ناحية، ورغم انشغالاتي الشديدة في تلك الأيام من ناحية أخرى. وتوقعت للمؤلف مُستقبلاً باهراً في عالمي الأدب والسياسة على السواء. فقد كانت شجاعته وجرأته، لا تقلان عن خياله ومهارته القصصية.

ثم قرأت لإبراهيم عيسى كل ما وقع تحت يدي من كتاباته الأدبية والصحفية والسياسية. ولا أذكر أنه خيّب ظني أبداً. وكان آخرها، قبيل رحلة الدم، رواية مولانا، إلي أن سمعت مؤخراً أنها تحوّلت إلى فيلم سينمائي، لم أشاهده بعد، ولكني أتطلع إلى ذلك بشوق شديد.

المُهم، في موضوع هذا المقال عن رحلة الدم، أنها مُحاولة واعية ولكنها أمينة وصادفة، لا في تشوية المسلمين الأوائل، ولكن في نزع القداسة عنهم، وتصويرهم كبشر يُصيبون ويُخطأون، ولهم نزواتهم وأطماعهم الدنيوية المشروعة حيناً، وغير المشروعة أحياناً. والسؤال الضاغط والمُلح في هذه الأيام، هو ما علاقة هذا النص الأدبي بالظروف التي نعيشها، كمصريين وكمسلمين في مطلع القرن الحادي والعشرين، الميلادي، والخامس عشر الهجري.

إن ما لم يقله إبراهيم عيسى في نصه الأدبي، ولكني استنتجته ضمنياً، هو الآتي:

إن تاريخ المسلمين الأوائل كما تعلّمناه كان تاريخاً مُعقماً، لا شوائب فيه. وهذا التاريخ المُعقم تقدمه الحركات الإسلامية المُعاصرة، وفي مُقدمتها جماعة الإخوان المسلمين، كما لو كان فردوساً فقدناه، وهم الذين يبغون استعادته. وأن كلمتي السر في هذه الاستعادة للفردوس المفقود، هما الشريعة والخِلافة. وظلّت أجيالاً بعد أجيال من المسلمين الصالحين يحلمون باستعادة فردوسهم المفقود، إن هم فقط أقاموا دولة الخِلافة وطبّقوا الشريعة، أي حكموا بالقرآن. ولذلك كانت وما تزال صيحة المعركة عِندهم شعارات يحفظونها، عن ظهر قلب، ويُردّدونها بحماسة وإخلاص، ومُستعدون للتضحية في سبيل تطبيقها. فالنبي زعيمهم، والقرآن دستورهم، والموت في سبيل الله أغلى أمانيهم.

وللموت في سبيل الله أغلى الأماني، لأنه هناك فردوساً آخر، ينتظر الشُهداء والصدّيقين، وبه من الحور الحِسان ثلاثين عذراء، تنتظر كلاً منهم. أما النساء الشهيدات فوعدهن هو اللقاء مرة أخرى مع أزواجهم!! أي أننا هنا بصدد تفرقة أخرى بين الرجال والنساء، حتى في جنّات الخُلد!

طبعاً، نحن نُدرك أن كل من حاولوا استعادة الفردوس المفقود، قد فشلوا في مُحاولاتهم. ولنا في أفغانستان وفي السعودية أسوتين. ونُجزم نحن بأنه يستحيل استعادة ذلك الفردوس، لأنه ببساطة لم يوجد على الأرض في أي حقبة من تاريخ المسلمين. وما وُجد في الواقع والحقيقة فقد كانت مجتمعات بشرية، حكمها حُكّام عادلون حيناً، وحُكّام مُستبدون أحياناً أكثر، وتآمر مسلمون عديدون على مسلمين آخرين، وقاتل وقُتل مسلمون مسلمين آخرين لأطماع دنيوية: السُلطة والثروة والنساء.

وليس في ذلك كله انتقاص من شأن الإسلام كرسالة سماوية، هدت أقواماً كثيرون داخل الجزيرة العربية، وخارجها، شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً، حتى أصبح أتباع هذه الديانة السماوية السامية، بعد ثلاثة عشر قرناً، هي ثاني أكبر الرسالات السماوية، وثالث أكبر ديانة في العالم ـ بعد البوذية والمسيحية، كما لا تعني رسالة كتاب رحلة الدم، أن المسلمين أنقص من غيرهم. ولكنهم ليسوا بالضرورة خير أمه بين العالمين. حتى لو كانوا كذلك في حقبة تاريخية سابقة، فهم بالقطع ليسوا كذلك في الوقت الحاضر، ولم يكونوا كذلك طيلة القرون السبعة الأخيرة. وست فقط من دولهم الستين، تصفها أدبيات التنمية، كواحدة من الثلاثين الأكثر تقدماً في العالم، وهي ماليزيا، والكويت، والإمارات، وقطر، وتونس، وتركيا.

الأخطر مما جاء في رواية رحلة الدم، أن مسلمين في العقود الثلاثة الأخيرة، ذهبوا جوعى ومُشرّدين ولاجئين إلى الغرب المسيحي، وسرعان ما انخرطوا في رحلات دموية ضد من أطعمهم من جوع ومن أواهم وأمّنهم من خوف.

علمت، بعد أن انهيت كتابة هذا المقال الأسبوعي، أن السُلطة بدأت تُطارد إبراهيم عيسى، حيث أوقفت أو حرّضت على إيقاف برنامجه التليفزيوني مع إبراهيم عيسى“. ونحن نتضامن مع إبراهيم عيسى، كما تضامنا من قبل مع المُبدع الساخر، د. باسم يوسف. وإنني أحذر النظام أن التضييق على أصحاب الأصوات والأقلام الحُرة، هي بداية لتلك النهاية لعهدهم. والله على ما أقول شهيد.

وعلى الله قصد السبيل

تعليقات

تعليقات

شاهد أيضاً

المسكوت عنه في التوتر المصري ـ السعودي: الخطر الإيراني!

يُقال في أول درس في العلاقات الدولية، أنه ليس هناك عدو دائم أو صديق دائم، ...