الجمعة , 19 يناير 2018
الرئيسية » مــقالات » إسماعيل سراج الدين: المُثقف الموسوعي

إسماعيل سراج الدين: المُثقف الموسوعي

logo_1984367513

       د. سعد الدين إبراهيم

         لم يكن رحيل صديقنا أسامة الباز، مُفاجئاً. فقد اشتد عليه المرض وأقعده عاجزاً طوال السنتين الأخيرتين. وقد أبّنته، وسرّدتُ بعضاً من ذكرياتنا المشتركة، بعد رحيله بأيام. وقد قلت فيه كلاماً طيباً ومُستحقاً. وقد شكرني أفراد عائلته حينما ذهبت لعزائهم واستفسرت زوجتي عما كتبته عن أسامة، وترجمته لها.. وتأثرت كثيراً، بدورها، حيث عرفته أيضاً على امتداد أربعين عاماً. ثم سألتني: “وهل كان أسامه في حياته، يُدرك أن ذلك هو رأيك فيه؟ وأجبتها بأنني لست مُتأكداً.. فاقترحت أن أكتب عن أصدقائي الذين أحمل لهم نفس مشاعر الحب والإكبار في حياتهم، وقبل أن يوافيهم الموت، حتى أثلج صدورهم، وهم على قيد الحياة.

         وقد استحسنت اقتراحها، وذكرت لها أن صديقنا د. مصطفى الفقي، المُساعد الأسبق للرئيس الأسبق حسني مبارك، يفعل ذلك بالفعل منذ عدة شهور في عموده الأسبوعي، بصحيفة المصري اليوم. وقد خصني بأحد هذه الأعمدة، منذ عدة شهور. وقد تأثرت فعلاً بما كتبه، في زمن أشعر فيه بجحود رسمي مروّع.. فرغم حصولي على عديد من الجوائز العلمية والحقوقية من كل أنحاء العالم.. حتى ضاق الدولاب المُخصص لذلك في منزلنا في المعادي، وضاق بها دولاب آخر في مكتبي بمركز ابن خلدون بالمقطم، إلا إنني لم أحصل على أي جائزة من الدولة المصرية، إلى تاريخه (أكتوبر 2013)، وكأنه يصدق علينا القول المأثور “لا كرامة لنبي في قومه”. ولكن عملاً باقتراح زوجتي الحبيبة، فإنني سأكتب عن عدد من أصدقائي في حياتهم وقبل أن يوافيني أو يوافيهم الموت. ومن هؤلاء إسماعيل سراج الدين، والسيد يسن، وعلي الدين هلال، وعبد المنعم سعيد، وعمرو محي الدين، ومحمد الجوهري، ونعيم الشربيني، وصبري الشبراوي.

وأبدأ بإسماعيل سراج الدين، الذي يشغل حالياً منصب المُدير العام لمكتبة الإسكندرية.

عرفت إسماعيل سراج الدين منذ عام 1965، أثناء دراستي بالولايات المتحدة، ومن خلال أسامه الباز، حيث تزاملا في جامعة هارفارد. وكان إسماعيل يدرس التخطيط العمراني بعد تخرجه بامتياز من قسم العمارة بهندسة القاهرة. واسترعى انتباهي منذ اللقاء الأول أناقته، ووسامته، ولغته الإنجليزية الطلقة، وإجادته اللغة الفرنسية، وأدبه الجم. هذا فضلاً عن اسم عائلته، التي كانت ملئ الأسماع والأبصار في أواخر العهد الملكي في مصر، في أربعينات وخمسينات القرن العشرين. وأتذكر أن أحد أعمامه، وهو فؤاد باشا سراج الدين، والذي كان سكرتيراً عاماً لحزب الوفد، زار منزل عائلتي في قرية بدّين، مركز المنصورة، أثناء الحملة الانتخابية عام 1950، لدعم مُرشح الحزب في دائرتنا الانتخابية، وهو المُنجي المُنجي محمد المحامي. وكانت أسرتنا مثل عديد من أعيان الريف، وفدية الهوى، منذ ثورة 1919، بقيادة سعد زغلول. حتى أن كثيرين يعتقدون أنني سُميت “سعداً”، تيمناً باسم هذا الزعيم الوطني الكبير.

وقد تآلفت مع إسماعيل سراج الدين بسرعة. وعرفت أن والده أنيس سراج الدين، كان مهندساً معمارياً مرموقاً.. كما كان يهوى رياضة الصيد البحري، ونظم أول مُسابقة عالمية لهذه الرياضة في مصر، اكتشف العالم من خلالها سحر شواطئ البحر الأحمر. وقد وافته المنية في حادثة طريق، وهو في الأربعينات من عُمره، تاركاً وراءه، بنتين وولد، وقد تعرفت بالشقيقتين خلال السنوات القليلة التي أعقبت تعرفي بإسماعيل، كما تعرفت بوالدتهم.

أما والدة إسماعيل، فهي سليلة علي باشا إبراهيم، الذي عُرف بأنه أبو الطب في مصر، حيث كان أول عميد مصري لكلية طب القصر العيني، ثم رئيساً لجامعة القاهرة. ومن خلال إسماعيل، عرفت الكثير من كل أفراد الأسرة، عبر ثلاثة أجيال. فقد كانت لقاءتنا مُتعددة في سنوات الدراسة، بحكم رئاستي لمنظمة الطلبة العرب في الولايات المتحدة وكندا، وبحكم رئاسته هو لأحد فروع المنظمة في منطقة بوسطن الكُبرى، التي كانت تشمل أعرق جامعة أمريكية، وهي هارفارد، وأهم جامعة هندسية في العالم، وهي معهد ماسوشيتس للتكنولوجيا (MIT).

ولأن معرفتي بإسماعيل سراج الدين بدأت في منتصف ستينات القرن العشرين. فقد تزامنت مع عنفوان ثورة 23 يوليو المصرية، وثورة الطلبة الأمريكيين ضد حرب فيتنام في الولايات المتحدة. وكان المزاج الشبابي العام يسارياً رافضاً لكل ما هو برجوازي رأسمالي، أو أرستقراطي.. أي أن كل ما كان يمثله إسماعيل سراج الدين، شكلاً وموضوعاً. وكان هو من الذكاء والثقافة بحيث أدرك ذلك مُبكراً في بداية عهده في الولايات المتحدة. وقد تحدثنا في ذلك مراراً، خاصة حينما كان بعض المُنافسين المصريين أو العرب يستنفرون هذه الخلفية “الأرستقراطية” لإسماعيل سراج الدين. ولم يكن هذا الشاب الجميل يعتذر عن خلفيته أو يتباهى بها، وكانت سلوكياته الطبيعية فقط، هي التي أكسبته حُب واحترام زُملائه المصريين والعرب والأمريكيين.

وفي العديد من المواقف التي كان يشتد فيها الجدل بيني وبين أسامة الباز، كان إسماعيل يجد نفسه أقرب إلى وجهة نظري، بينما كان صديقاً رابعاً لنا، هو صلاح الجوهري، يصطف مع وجهة نظر أسامة الباز. وفي أحد المشاهد الطريفة، التي ما زال إسماعيل يذكّر الجميع بها، هو انفعال أسامة وتحديه لي بتحريك جماهيري الطلابية.. والتفت حولي فلم أجد إلا إسماعيل سراج الدين مؤيداً… والتفت أسامه الباز حوله، فلم يجد إلا صلاح الجوهري مؤيداً! وأصبح ذلك المشهد طُرفة نتندر بها حتى يومنا هذا. فإذا تحدث معي تليفونياً، مثلاً، فإنه يُقدم نفسه كجمهور سعد الدين إبراهيم. وكان يُغريه بهذه الطرفة وجود نشرة يسارية أمريكية في الستينات، كان يُصدرها المُفكر الناشط أي.إف.ستون (I.F.Ston) بعنوان “أقلية واحد” (Minority of One). وكان ستون هذا، من الذين اعتنقوا الفكر الماركسي في شبابه خلال سنوات الكساد الأعظم في أواخر الثلاثينيات. ورغم أن الحركة اليسارية الأمريكية انكمشت كثيراً، خلال عهد الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت (1932-1946)، بفضل برامجه الاقتصادية التوسعية، التي دخلت فيها الحكومة قطاع الأعمال، فخلقت قطاعاً عاماً حكومياً، وبفضل برامجه الاجتماعية التكافلية، التي استحدثت فيها الحكومة ضماناً اجتماعياً، يعوض العاطلين عن العمل، ويُساعد الفُقراء بما يُشبه التموين المجاني من الاحتياجات الأساسية. وهو ما جعل الدعوة الماركسية وأخواتها الاشتراكيات غير ذي موضوع في المجتمع الأمريكي. ولكن أي.إف.ستون ظل يُبشر بالاشتراكية، ووجد في جمال عبد الناصر والزعيم الكوبي فيديل كاسترو أنبياء جُدد للاشتراكية.. وحينما علم بوجود منظمة للطلبة العرب في أمريكا، وأن مقرها هو مدينة نيويورك حيث كان يعيش، فقد حرص على التواصل معنا. وأعجبنا الرجل كثيراً، حيث ظل على حماس شاب في العشرينات، رغم أنه كان في السبعينات من العُمر، حين التقيناه لأول مرة، عام 1965. لذلك لم يجد إسماعيل، كما لم أجد أنا ضيراً أن نكون أقلية في أي وقت وفي أي سياق، مادمنا صادقين مع أفكارنا ومعتقداتنا.

ولأن إسماعيل سراج الدين نشأ في بيت علم، فقد شجعه والداه على القراءة في شتى المجالات. كان يُفاجئنا في شبابنا أنه يعرف في علم الاجتماع، وفي الاقتصاد، وفي السياسة، وفي الأثار كأحد المتخصصين في كل منها. ولذلك يستحق الوصف الذي اخترته له في عنوان هذا المقال، أي “المُثقف الموسوعي”.

وحينما رشحه الأفارقة والفرنسيون لمنصب مُدير عام اليونسكو، خذلته بلده مصر، التي قرر رئيسها آنذاك، حسني مُبارك أن يُجامل السعودية، فدعّم مُرشحها، الشاعر غازي القصيبي، وانتهى الأمر بخسارة كلا المُرشحين، لصالح مُرشح أسيوي، هو كويشيرو ماتسورا. وتعرض الرئيس المصري وقتها لنقد شديد من المثقفين المصريين. وشعرت قرينته السيدة سوزان مُبارك، وكانت تلميذتي بالذنب، وسألتني كيف يمكن رد الاعتبار للدكتور إسماعيل سراج الدين. وكان مشروع مكتبة الإسكندرية قيد التنفيذ، فاقترحت ترشيح الرجل ليكون مسئولاً عن المشروع، فاستغربت في البداية، على أساس أن خلفية د. إسماعيل أنه خبير في البنك الدولي. فشرحت لها أن المكتبة في يد شخصية موسوعية مثل سراج الدين، ستكون قصراً للثقافة الشاملة من خزانة للكتب، وإلى مركز دراسات، وإلى دار أوبرا، وأن الإسكندرية كعاصمة ثانية للبلاد تستحق هذا وزيادة. والتقت السيدة سوزان مُبارك بالرجل، واستمعت له في مُحاضرة عامة بالجامعة الأمريكية، وانبهرت بقدراته وملكاته المتنوعة. فرشّحته لمنصب المُدير العام لمكتبة الإسكندرية. والتقى المُرشح بمجلس أمناء المكتبة، وهو مجلس دولي يمثل كل الدول الداعمة والراعية للمكتبة. وانبهر مجلس الأمناء هذا، كما ينبهر كل من يلتقى بإسماعيل سراج الدين، فوافق بالإجماع على الترشيح، وعُين الرجل في هذا الموقع المرموق. وقد صدق الرجل عهده، فأصبحت المكتبة ضمن أهم خمس مكتبات على مستوى العالم. فتحية للدكتور إسماعيل سراج الدين، وهنيئاً لمصر وللإسكندرية به.

وعلى الله قصد السبيل   

تعليقات

تعليقات

شاهد أيضاً

نحو مُصالحة وطنية… للانطلاق نحو المستقبل

في يوم واحد، الثلاثاء 15/11/2016، نشرت نشرت وسائل الإعلام المصرية: * ألغت محكمة النقض الحُكم ...