الثلاثاء , 23 يناير 2018
الرئيسية » مــقالات » الشرق الأوسط وأمريكا !!؟؟

الشرق الأوسط وأمريكا !!؟؟

 Ezzart-1

عزت إبراهيم

 

ربما يشهد الجيل الحالي في بلدان الشرق الأوسط تغيرات غير مسبوقة علي صعيد

العلاقات بين الدول الكبرى علي الساحة الدولية والقوي الإقليمية وفي مقدمتها مصر والسعودية وهي التغيرات التي لم يكن مقدرا أن نراها لولا التقلبات السياسية

العميقة التي جرت في مياه السياسات الداخلية وظهور لاعبين جدد علي الساحة السياسية خاصة تيارات الإسلام السياسي في مصر وتونس وليبيا واليمن ودول أخري في العالم العربي

 

  اليوم تمر العلاقات بين الولايات المتحدة وأكبر دولتين في المنطقة وهما السعودية ومصر بتوتر غير مسبوق – ربما الحالة السعودية تحمل مفاجأة أكبر من الحالة المصرية بالنظر إلي تاريخ العلاقة المضطربة منذ أيام الرئيس الراحل جمال عبد الناصر ، فيما كانت علاقات الرياض وواشنطن تسير في منحني صاعد لأكثر من سبعة عقود .

 

  السياسة الأمريكية لا تقوي علي تلك التغيرات الدرامية في العلاقة مع بلدين يشكلان حجر الزاوية في إستراتيجيتها الإقليمية وفي العلاقات مع دول الجوار

وبخاصة تركيا وإيران وإسرائيل ، ولكن شكلت جملة من العوامل سببا في تراجع المكانة الإقليمية للولايات المتحدة الأمريكية أهمها ، عدم قدرة واشنطن علي القراءة الواعية لمتغيرات ما بعد الثورات في دول الربيع العربي حيث سعت السياسة الأمريكية إلي صناعة تحالفات جديدة بمعني وجود عنوان محدد لأصدقاء جدد خاصة في مصر ، وعدم تحويل أقوالها إلي أفعال فيما يتعلق بالتواصل مع الشعوب وعدم تكرار أخطاء الماضي من الاعتماد علي حكومات حليفة مثلما حدث في الماضي في العلاقة الوثيقة التي ربطت واشنطن بشاة إيران رضا بهلوي وانتهت بالثورة الإسلامية ، ثم نظام حسني مبارك في مصر وانتهت بثورة شعبية في 25 يناير 2011 .

 

  في مرحلة ما بعد الثورة المصرية سعت أمريكا بقوة إلي بناء علاقة بحليف ووجدت في جماعة الإخوان البديل المؤتمن صاحب الشعبية أو صاحب رصيد في مزج الدين بالسياسة في خلطة تروق كثيرا لشعوب لم تصل إلي نضج سياسي حقيقي وهي قوي سياسية مرشحة لاعتلاء الحكم لعقود قادمة حسب تقديرات الإدارة الأمريكية ، والتي رسبت للمرة الثانية في التنبؤ بتطورات المشهد المصري

خلال مدة أقل من ثلاثة أعوام .

 

  لعبت واشنطن علي بناء حزام من السياسات الموالية في مصر وشمال أفريقيا ودول الشام اعتمادا علي قدرتها علي حشد الحلفاء في الخليج ومصر وتركيا وراء بناء تكتل ” سني ” كبير يواجه الطموح الإيراني في بناء ” هلال شيعي ” ثم فجأة انهارت التصورات والأفكار والخطط .

 

  راحت جماعة الإخوان المسلمين في ذمة التاريخ السياسي إلي أمد غير معلوم

وأخفت دول خليجية في توفير دعم يحسم المعركة في الداخل السوري ويقوض

الطموحات الإيرانية وتابعها ” حزب الله ” .

 

اليوم تجد الولايات المتحدة نفسها مضطرة إلي إعادة أفكارها أو ترتيب أجندتها

في الشرق الأوسط بما يرفع عن كاهلها أعباء بناء تحالفات جديدة ، فهي ترمي بشباكها في اتجاهات عديدة وفي المقدمة استطلاع ” الهلال الإيراني ” في سماء الشرق الأوسط بعد أن أجبرت توازنات القوي واشنطن إلي تقليل طموحها في اقتلاع نظام بشار الأسد واستبداله بنظام موال في دمشق ، وبالتالي عادت طهران إلي صدارة المشهد من جديد وانتعشت آمال ” حزب الله ” في بسط سطوته علي لبنان .

 

  وسط تلك التطورات تعود واشنطن إلي اللعبة القديمة التي أدمنها السياسيون والدبلوماسيون ورجال الاستخبارات في العاصمة الأمريكية بمحاولة استقطاب عدو الأمس ليصبح شريكا متضامنا في الترتيبات الإقليمية وهي إشارة التقطتها طهران

علي عجل وفور انتخاب رئيس جديد ” معتدل ” يقوم برنامجه علي الانفتاح علي العالم .

 

  لم تجد القيادة الأمريكية سببا للتأخير ومن ثم رفعت من مستوي المحادثات ، والتي سبقتها اتصالات سرية ، لتصل إلي مواجهات مباشرة بين وزيري خارجية البلدين ثم عقدت مجموعة 5+1 حول المشروع النووي الإيراني أول اجتماعاتها

في جينيف قبل أيام في ظل بوادر مشجعة وتمد طهران يدها اليوم لتعلب دورا مهما في التسوية السورية .

 

  ويجب أن نأخذ في الاعتبار الضغوط الأمريكية – الروسية علي قوي المعارضة السورية لحضور مؤتمر جينيف 2 في 23 نوفمبر القادم ، حيث نقطة الخلاف الأبرز والتي تتفق فيها الرياض والمجلس الوطني المعارض هو غياب معالم الحكومة الانتقالية وصعوبة التحدث إلي بشار الأسد بعد أن أنفقت دول ثرية مليارات الدولارات للخلاص من حكمه إلا أن التدخلات الروسية الإيرانية تلعب دورا

موازيا لمساندة النظام في دمشق رغما عن انف الولايات المتحدة الأمريكية .

 

  المشاهد السابقة تثير حفيظة دول خليجية دأبت علي الاعتماد علي الولايات المتحدة في تأمين المجري الملاحي في الخليج العربي وحماية أمنها القومي .

 

  الحسابات المعقدة لا تقتصر علي الشاطئ البعيد من المحيط الأطلنطي بل تقع في قلب حسابات القوي الإقليمية المؤثرة وأهمها مصر والسعودية حيث وفرت الثورة

علي جماعة الإخوان وسقوطهم فراغا سياسيا كبيرا وإعادة ترتيب الأوراق الخاصة بالأمن القومي المصري تجعل الدولة المصرية في مرمي القصف السياسي لقوي اليمين واليسار الأمريكي بدعاوي مختلفة خشية أن تخرج مصر ” مستقلة ” في قراراها وقادرة علي تنويع علاقاتها العسكرية والأمنية والاقتصادية بشكل غير مسبوق .

 

  كانت المقدمات الأولي لتوترات أكبر هي قيام السعودية برفض العضوية غير الدائمة لمجلس الأمن الدولي في أول سابقة من نوعها في تاريخ المنظمة العالمية

احتجاجا علي رفض الدول الكبرى حسم الموقف في سوريا ومنحهم النظام السوري

مخرجا جديدا بالدعوة إلي المؤتمر الدولي ودخول الإيرانيين طرفا في معادلة جديدة

ربما تأتي علي حساب العلاقة الوثيقة بين أمريكا ودول الخليج العربي .

 

  في تلك الحالة تبقي الخيارات مفتوحة لمصر والسعودية في إقامة جسور جديدة مع القوي الدولية الأخرى وفي مقدمتها روسيا والصين ، بكل ما تحمله العلاقات الجديدة من قدرة علي تنويع مصادر السلاح وبناء شراكات عسكرية وعقد صفقات اقتصادية مع شركاء جدد يريدون استرداد قدر من السطوة والنفوذ في الشرق الأوسط علي حساب الولايات المتحدة .

 

في النهاية تبقي الخيارات الوطنية الجريئة هي التي ستحدد طريق القوي الإقليمية في بناء سياسات عالمية أكثر انفتاحا علي قوي أخري بخلاف الولايات المتحدة ، وبناء الدولة المعاصرة الحديثة هو تحد لم تألفه القوي الغربية في العلاقة مع دول الشرق الأوسط التي كانت يوما جزءا من تركة الاستعمار القديم ومرت بعثرات عديدة في طريقها ومازالت أمام الاختيار الأصعب وهو تأسيس مجتمع أكثر تطورا وانفتاحا وتجاوز سيئات الأنظمة القديمة المتمثلة في غياب الحريات والديمقراطية

 

  فيما تنتظر دول الخليج تحديات عالم مع بعد النفط خلال عقود قليلة قادمة وظهور طبقة وسطي واسعة المطالب وخاصة علي الانفتاح علي العالم الخارجي ، وكل ما سبق يضع أمام الولايات المتحدة أوراقا لإدارة اللعبة مع القوي الإقليمية القلقلة من المواقف الأمريكية ويوسع من اختياراتها خاصة وأن هناك عاملا جديدا لم يكن مطروحا من قبل وهو بدء تقليص الاعتماد الأمريكي علي النفط العربي بكل ما يحمله التغير من مواقف جديدة وربما ردود أفعال غير متوقعة .

تعليقات

تعليقات

شاهد أيضاً

نحو مُصالحة وطنية… للانطلاق نحو المستقبل

في يوم واحد، الثلاثاء 15/11/2016، نشرت نشرت وسائل الإعلام المصرية: * ألغت محكمة النقض الحُكم ...