الجمعة , 15 ديسمبر 2017
الرئيسية » مساحة رأي » تحديات الثورة ومشروعها الوطنى

تحديات الثورة ومشروعها الوطنى

logo_348918818

 

د. حمدي الحنناوي

لكل ثورة مشروع وطنى فما المشروع الوطنى للثورة المصرية؟ هذا السؤال غير مطروح على المسرح السياسى، وبدلا منه تغرق القوى الثورية فى تفاصيل المناورات السياسية اليومية. وحين رفع شعار إسقاط النظام عام 2011، لم يكن يوجد تصور واضح لنظام بديل، وكان باستطاعة
تيارات الإسلام السياسى أن تملأ الفراغ، لا لأن لديها مشروع وطنى يقبله الناس، بل لأنها كانت القوى الوحيدة المنظمة والقادرة على ملأ الفراغ. والأن يتكرر نفس المشهد، ويرتفع مرة أخرى شعار إسقاط النظام دون تصور واضح لنظام بديل. وفى هذا السياق ستكون القوة المنظمة الوحيدة التى تلأ الفراغ هى الجيش. وقد عانينا من استبداد المؤسسة العسكرية ستين عاما، ولا حاجة بنا إلى المزيد. يبدو أيضا أن هناك من لا يرى إمكان حدوث تغير فى اتجاه آخر عن طريق العمل السياسى، والمشكلة الحقيقية هى غياب رؤية واضحة لمشروع وطنى يجتمع حوله الناس. وقد غابت الرؤية لدى البعض بسبب نزعة الحنين إلى الماضى، وغابت لدى آخرين لتقيدهم برؤى تقليدية وأفكار تقليدية. وبصفة عامة تتنافس النخبة السياسية على المناصب، وخلال التنافس يتمسك كل طرف بما سبق أن قاله من آراء ولو ظهر ما هو أفضل منها وأكثر اتساقا. هذا ما تفرضه المنافسة، حيث من يتنازل عن رأيه قد يتراجع من المركز الأول إلى المركز الثانى. وكانت هذه هى القاعدة طوال ستين عاما من الدكتاتورية، تعطل فيها العقل المصرى كى لا يعترف زعيم أنه أخطأ. خلال تلك الفترة كان لكل زعيم مشروعه الخاص، والآن لم يعد هذا مناسبا، ويجب أن تتحلى النخبة بالتعاون قبل التنافس، وتتخلى عن نزعة النجومية. ويجب أن يتأنى كل فرد ولا يتسرع بإصدار تصريحات تصبح قيدا على حريته. فى هذه الحالة يمكن أن تتفق النخبة على مشروع ينبع من احتياجات مصر الحقيقية. وهنا يصبح السؤال، ما هى احتياجات مصر؟ والإجابة لا تحددها رغباتنا أو أحلامنا الشخصية بل يحددها وضع مصر التاريخى، بمعنى أين تقف مصر على سلم التطور. ولتحديد ذلك الوضع نحتاج إلى تشخيص لا يكتفى بوصف مظاهر الفقر والتبعية، بل يغوص إلى الأعماق ليصل إلى جذور هذه الأوضاع. ترجع جذور هذه الأوضاع إلى التخلف. وقد تخلفنا عندما خرج تاريخنا عن مساره الطبيعى، فحين كانت أوربا فى طريقها إلى عصر الثورة الصناعية، كانت مصر مقيدة تحت الاحتلال التركى. ومنذ حاولنا النهوض بعد الحملة الفرنسية، حدثت نكسات أعادتنا إلى الوراء. وهكذا لم ندخل عصر الثورة الصناعية، وعشنا فى نفق التخلف خمسمائة عام. وقد كان على الثورات الوطنية عام 1919 وعام 1952 أن تستوعب هذا الدرس وتفتح الباب لاستكمال النهضة التى أجهضت عام 1840، لكن الأمر انتهى إلى الاتجاه لشراء المصانع من الخارج. لا تتحقق ثورة صناعية بشراء المصانع فقط، بل بصناعة المعدات والآلات داخل الوطن. وهذا لم يحدث حتى الآن، وما زلنا لا نستطيع إقامة أى مشروع إنتاجى، إلا بعد أن توافق عليه دولة أجنبية تصممه وتوفر له المعدات والآلات. لهذا تفلت فرص الانطلاق، وكل تقدم نحققه تتسرب ثماره إلى الخارج، ولا تكفى حتى لسداد ثمن ما نشتريه، ويتراكم العجز وتغطيه الديون. ولا يجوز أن نقبل ذلك، كما أن هذا لا يمكن أن يستمر، وإذا استمر فسيؤدى إلى الإفلاس. وإذا كانت الثورات السابقة قد فشلت فى إخراج مصر من هذا المسار، فيجب أن نتعلم من أخطائها، وأن نستوعب دروس الماضى، وأن تتجاوز طموحاتنا الأحلام الساذجة بزيادة دخلنا بخدمة السياح فى الفنادق لا بد من حل جذرى، يوفر ملايين الوظائف، ويوقف ارتفاع الأسعار وينهى العجز الخارجى ويخرجنا من حلقة التبعية التى يصنعها اعتمادنا على الخارج. بسبب تلك التبعية لا يتأخر فقط تطور الصناعة بل يتأخر أيضا تطور الزراعة، فالزراعة تعتمد على الصناعة للحصول على ما يلزمها من أدوات وآلات ومعدات وكيماويات وبذور معالجة. وستعتمد عليها لحل أكبر مشكلاتها وهى نقص الماء. وقد ساعدتنا دول أجنبية فى بناء سدود تختزن مياه الفيضان، ولم يعد يوجد فائض يلزم بناء سدود أخرى لتخزينه. والحل الآن ثورة فى نظام الرى، تعمم الرى بالتنقيط والرش، لتزيد الرقعة الزراعية خمس مرات بنفس كمية الماء التى نستخدمها الآن. هذا الحل يخفض أيضا مستوى المياه الجوفية، وينهى مشكلات الصرف الزراعى، وستتكفل الثورة التكنولوجية بتوفير مستلزمات هذا التحول بالإضافة إلى اكتشاف وتطوير موارد مائية جديدة. والثورة الصناعية إذن ليست لتطوير الصناعة وحدها، بل لتطوير الاقتصاد الوطنى كله. وقد آن الأوان لأن نستبصر بأن هذا التطور لا يمكن شراؤه، ولن يتحقق من خلال أى معونات من الدول الكبرى، ولا بد أن نحققه بأنفسنا وبقدراتنا الذاتية. وهذا لا يتطلب أن نفعل شيئا لم يفعله أحد قبلنا، وسنتعلم مما تحت أيدينا، ونبدأ من حيث نقف، ومن حيث نستطيع أن نبدأ. الثورة الحقيقية الآن، أن نتحول إلى جيش من المنتجين، ونستخدم ما لدينا من إمكانات بذكاء وكفاءة. ولإمكانات اللازمة ليست أموالا فقط، فالبشر أهم الإمكانات، وهم رأس المال الحقيقى. ولكى نستفيد بما عندنا من قوى بشرية، يجب أن نعرف كيف نخرج من عباءة الماضى، فنفكر ونعمل بطرق جديدة، ونستفيد بملايين الأيدى العاطلة، وملايين العقول التى جرى تهميشها. لقد آن الأوان لأن يتطور استخدام العلم، لا فى الجامعات فقط بل فى مواقع الإنتاج أيضا، حيث ستدور وقائع الثورة الصناعية فى الورش والمصانع والحقول. وعلينا الآن أن نتخذ القرار، وهو قرار سياسى لن ينتظر أن يتخذه من يصل إلى الحكم، بل تستطيع القوى السياسية خارج الحكم أن نتخذه ونفرضه على أى حكومة، وقد تأخر هذا القرار كثيرا ويجب ألا يتأخر أكثر من ذلك. لقد مر العالم حتى الآن بثورتين صناعيتين، وفى ظروف خاصة تخلفنا عن الثورة الصناعية الأولى، ثم تخلفنا عن الثورة الصناعية الثانية، ويجب ألا نتخلف عن الثورة الصناعية الثالثة. والثورة الصناعية لا تنتج فقط عددا وأدوات بل تنتج أيضا علما وثقافة، وهى بالتالى لا تقضى على التخلف الاقتصادى فقط بل تقضى أيضا على التخلف الفكرى. وبفضلها نجح التنوير فى أوربا وبغيابها فشل التنوير عندنا. وهذا يشير إلى أكبر المهام الثورية وأكبر التحديات، ويجب أن نقبلها. وستواجهنا عقبات بلا شك، لكننا نستطيع أن نتغلب عليها لو تكاتفنا وصممنا على البناء ووفرنا مناخ الحرية للعقول المصرية ودعوناها إلى العمل، بدلا من تركها مهمشة تفكر فى للهجرة.

تعليقات

تعليقات

23 تعليق

  1. Fantastic blog article.Really thank you! Awesome.

  2. Appreciate you sharing, great blog.Really looking forward to read more.

  3. Very good post.Really looking forward to read more. Fantastic.

  4. Really appreciate you sharing this post.Much thanks again. Really Great.

  5. Hey, thanks for the blog article.Thanks Again. Will read on…

  6. I am so grateful for your blog post.Really thank you! Really Great.

  7. I think this is a real great blog post.Really thank you! Will read on…

  8. Thanks so much for the blog post.Much thanks again. Fantastic.

  9. Very good article post.Much thanks again. Much obliged.

  10. Appreciate you sharing, great blog article.Thanks Again. Really Cool.

  11. Random Google results can sometimes run to outstanding blogs such as this. You are performing a good job, and we share a lot of thoughts.

  12. I regard something truly special in this site.

  13. Great, thanks for sharing this blog post.Much thanks again. Cool.

  14. A big thank you for your blog post.Really thank you! Want more.

  15. Im thankful for the blog.Thanks Again. Keep writing.

  16. Im obliged for the article. Awesome.

  17. This is one awesome article.Really looking forward to read more.

  18. I truly appreciate this article post.Much thanks again. Want more.

  19. Fantastic article post.Really thank you! Much obliged.

  20. Im grateful for the post.Much thanks again. Cool.

  21. Wow, great article.Really thank you! Great.

  22. Wow, great article post.Really looking forward to read more. Awesome.