الثلاثاء , 23 يناير 2018
الرئيسية » مــقالات » دعوة الأردن لتوحيد بُلدان المشرق العربي

دعوة الأردن لتوحيد بُلدان المشرق العربي

كتب د. سعد الدين إبراهيم

كانت سوريا طوال القرن العشرين، يُشار إليها بأنها قلب العروبة النابض. ولكنا رأينا مع بداية القرن الحادي والعشرين كيف تعرض ذلك القلب للأزمات، واحدة بعد الأخرى، حتى كاد القلب أن يتوقف عن النبض. وكان آخر تلك الأزمات ظهور تنظيم ما يُسمى بالدولة الإسلامية في العِراق والشام، والذي جرى اختصاره بـ داعش، وهو حركة بربريه مُتخلفة، يقودها مجموعة من سفاكي الدماء وأعداء الحضارة الإنسانية. وهي حركة لم ير هذا الجزأ من العالم مثيلاً لها منذ إعصاف التتار في القرن الثالث عشر الميلادي بقيادة جانكيزخان، ثم تيمورلينك، اللذان دمرا التراث البشري والحضارة الإنسانية المُتراكمة على مر العصور التي سبقت إعصارهما.

المهم لموضوعنا، هو أن سوريا كانت هي المؤهلة موقعاً وموضعاً، لتوحيد بُلدان المشرق العربي التي كان قد جزّأها الاستعمار الأوروبي فيما عُرف في أعقاب الحرب العالمية الأولى (1914-1918) باتفاقية سايكس ـ بيكو (Sykes-Picot)، حيث كانت العِراق والأردن وفلسطين من نصيب بريطانيا، وسوريا ولبنان من نصيب فرنسا. وظل العرب عموماً، والعرب المشارقة خصوصاً يرفضون تلك التجزئة، ويعتبرون سايكس بيكو، شأن وعد بلفور البريطاني للحركة الصهيونية جراحاً غائرة في جسم الأمة العربية جمعاء. ولكن العجز المتوارث في بنية الدول، أو الدويلات العربية التي ظهرت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية لم يُمكّنها التوحد أو حتى التكامل، رغم رغبة الشعوب في ذلك.

ولكن سوريا التي كانت مؤهلة لقيادة حركة توحيد المشرق خصوصاً، إن لم يكن الوطن العربي كله، أنهكتها الانقلابات العسكرية والاستقطابات الأيديولوجية، ثم أخيراً الانقسامات الطائفية. فلم تفشل فقط في توحيد الوطن العربي، أو حتى مشرقه، بل أنها أيضاً فشلت في الحفاظ على وحدة القُطر السوري نفسه، الذي قوضه الحُكم البعثي لحافظ الأسد، ثم لأبنه بشار الأسد، وأصهارهما من عائلة مخلوف.

ولأن العِراق مُثخن أيضاً بجراح وانقسامات عرقية وطائفية عمّقها واستغلها الحكم البعثي المستبد لصدام حسين، وللأسف فإن من ثاروا عليه، ثم مكنهم الاحتلال الأمريكي فأصبحوا النُخبته الحاكمة من الطائفة الشيعية لم تعُد مؤهلة لقيادة أي مُبادرة توحيدية للمشرق العربي.

وللغرابة وسُخرية التاريخ أن الأردن ونُخبته الهاشمية الحاكمة أصبحا الآن الأكبر قدرة ورغبة واستعداداً لهذا الدور التوحيدي للمشرق العربي.

فرغم صغر حجمه سُكانياً (أربعة مليون نسمة)، إلا أنه يتمتع بدولة قوية نسبياً، من حيث كفاءة جهاز خدمتها المدنية، ومن حيث قوة وتماسك مؤسستها العسكرية، ومن حيث المستوى التنموي العام لسُكانها. فهم الأكثر تعليماً في المشرق كله بعد لبنان. كما أن النُخبة الحاكمة الأردنية هي الأكثر ثقافة وانفتاحاً على العالم الخارجي.

والمُفارقة التاريخية هي أن الأسرة الهاشمية الحاكمة كانت تعتبر أن قضية الوحدة العربية هي أساس شرعيتها، منذ قاد مؤسسها، وهو الشريف حسين الثورة العربية الكُبرى، ضد الحُكم العثماني (1914-1917). ولم يحل دون هذا التوحيد إلا خداع حُلفائه الغربيين أثناء الحرب العالمية الأولى، وحنثهم بما كانت بريطانيا قد وعدته به، فيما يُعرف باتفاق حسين ماكماهون، الاتفاق الذي كان ينطوي على استقلال ووحدة الولايات العربية للدولة العثمانية، ولكنه تقلص إلى الأردن والعِراق، حيث تولى أحد أبناء حسين وهو فيصل حُكم العِراق، وتولى الابن الثاني وهو عبد الله حُكم شرق الأردن، واستبعدت سوريا ولبنان وفلسطين. فتولت فرنسا أمر سوريا ولنبان، وتولت بريطانيا مؤقتاً أمر فلسطين التي كانت قد وعدها البريطاني بلفور وطناً قومياً لليهود.

المهم لموضوعنا أن الهاشميين كانوا أصحاب سجل مشهود في الدعوة لوحدة بُلدان المشرق العربي. وفي ضوء التمزق والدمار الذي أصاب بُلدانه (العِراق ـ لبنان ـ وسوريا)، لم يبق إلا الأردن قادراً ومؤهلاً للقيام بهذا الدور.

ولا يبدو أن مُبادرة من هذا القبيل ستُعارضها أي من الدول الكُبرى ـ أمريكا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا ولا حتى إسرائيل. فعلاقة تلك الدول بالأردن جيدة تاريخياً إلى الوقت الحاضر. كما لن تُعارضها أي من الدول العربية الفاعلة في النظام الإقليمي العربي، وأهمها مصر والسعودية والمغرب.

وإذا كانت ثمة مُعارضة تُذكر، فستكون من نظام البعث السوري لبشار الأسد. ولكن أيام هذا النظام أصبحت معدودة، بعد أن فقد شرعيته سورياً وعربياً، ولم يعد حتى قادراً على السيطرة الفعلية على معظم الأراضي السورية.

هذا فضلاً عن أن الأردن بُحكم استقراره ورخائه النسبي، أصبح في الثلاثين سنة الأخيرة ملجأ وموطناً لملايين ممن شتتهم الصراعات المُسلحة في بُلدان المشرق ـ لبنان والعِراق وسوريا. فهو يستضيف الآن ما يقرب من عدد سُكانه الأصليين من تلك البُلدان المشرقية. لذلك ستحظى أي مُبادرة أردنية لتوحيد فيدرالي لتلك البُلدان بالترحيب داخلياً وإقليمياً ودولياً.

أما الصِراع القديم بين الأسرتين الحاكمتين السعودية والهاشمية فقد تطور في الخمسين عاماً الأخيرة إلى تحالف في مواجهة الإرهاب. وهو تحالف ترعاه وتُباركه الدول الكُبرى وكذلك دول الجوار العربية الأخرى.

فليمضي الملك الشاب عبد الله بن الحُسين، بمساعدة عمه المُحنك والحكيم الأمير الحسن، لإنجاز هذا الحلم التوحيدي الذي عمل له أجداده، وأربعة أجيال من الوحدويين العرب.

اللهم قد بلغت.. اللهم فاشهد

وعلى الله قصد السبيل

تعليقات

تعليقات

شاهد أيضاً

نحو مُصالحة وطنية… للانطلاق نحو المستقبل

في يوم واحد، الثلاثاء 15/11/2016، نشرت نشرت وسائل الإعلام المصرية: * ألغت محكمة النقض الحُكم ...