الجمعة , 19 يناير 2018
الرئيسية » مــقالات » قوة مصر الناعمة

قوة مصر الناعمة

د. حُسام بدراوي الطبيب المهموم بتعليم أبناء وطنه

د. سعد الدين إبراهيم

semibrahim@gmail.com

عرفت مصر الحديثة أطباء موهبين، اكتشفوا مُبكراً أن علاج أمراض الجسد البشري إكلينيكياً، ليس بديلاً لعلاج أمراض المجتمع الإنساني سياسياً.. لذلك ازدوج نشاطهم العام بين الطب والسياسة. وكان ضمن هؤلاء، على سبيل المثال د. علي باشا إبراهيم، أول عميد مصري لكلية طب القصر العيني، ود. عبد الوهاب مورو، مُدير جامعة القاهرة في خمسينيات القرن الماضي، ود. إبراهيم بدران، ود. محمد شريف، ود. حلمي الحديدي، وغيرهم. ونبغوا طبياً، ولكن مشروعاتهم الإصلاحية جذبتهم إلى العمل السياسي الحزبي.

ومن أبرز وأنبل هؤلاء جميعاً، الدكتور حُسام بدراوي، أستاذ أمراض الأطفال، ومؤسس مستشفى النيل بدراوي، على كورنيش النيل بالمعادي، وهو ما كان يكفي وزيادة كعمل خدمي عام لأبناء وطنه. ولكن الرجل كان وما يزال مهموماً بأمراض مجتمعه الأكبر، وهو ما سيؤدي به إلى أدغال السياسة، فلجأ إليه الحزب الوطني الحاكم، في عهد الرئيس محمد حسني مبارك، ليقبل عضوية لجنة السياسات، التي كانت أهم لجان الحزب، والتي كان يرأسها نجل الرئيس وهو السيد جمال مُبارك.

وحاول حُسام بدراوي وقلة من أعضاء الحزب، مثل د. على الدين هلال ود. مفيد شهاب ود. صبري الشبراوي، إصلاح الحزب، أملاً في إصلاح النظام من الداخل. ولكن الفساد كان قد استشرى فيه، كما استشرى في مصر كلها. ولم يكن في مقدور د. حُسام بدراوي أن ينقذ نظام مُبارك، الذي سيهوى ويصبح أثراً بعد عين بفضل ثورة الشباب التي بدأت في 25 يناير 2011.

ولكن يُحمد لحُسام بدراوي، كما للقلة الإصلاحية من أقطاب الحزب الوطني أن التحقيقات والمحاكمات التي جرت في أعقاب الثورة، وجدت أن الرجل برئ من أي تهمة فساد أو استغلال للنفوذ.

كان حُسام بدراوي، كما أشرت أعلاه، مهموماً بقضية التعليم قبيل ثورة 25 يناير، ولم يتمكن من تنفيذ أجندته الإصلاحية في هذا الصدد. ولدهشتي ودهشة من يعرفون الرجل جيداً، فإنه ظل على نفس العقيدة والإيمان، بعد الثورة، ورغم أنه لم يعد في السُلطة أو حتى قريباً منها، فهو لا يكل ولا يمل عن الدعوة إلى نفس الإصلاح، وإن كانت عِفّته وأدبه يمنعانه من التوجه مُباشرة إلى من هم في السُلطة ليعرض آرائه ويُقدم خبرته.

ولأنني كنت قد عرفت حُسام بدراوي قبل رُبع قرن، وأعجبت بشخصه وعلمه وخُلقه، وسعدت في ذلك الوقت حينما رشّحه الباحثون في مركز ابن خلدون لعضوية مجلس أمنائه، خلفاً للدكتور محمود محفوظ، الذي رحل عن عالمنا في ذلك الوقت. وقبل الرجل مشكوراً هذا الترشيح وظل عضواً في مجلس الأمناء، رغم الهجوم الشرس الذي كان يتعرض له المركز في ذلك الوقت.

كما لم تمنعه عضويته في الحزب الوطني الحاكم، وقتها، من شهادة حق أدلى بها حينما تعرض المركز وعشرين من العاملين فيه للتنكيل والمحاكمات (2000-2003)، ورغم أن تلك الشهادة كانت لا بد وأن تؤثر سلباً على وضعه في الحزب الوطني الحاكم وقتها. ولكن هكذا كان د.حُسام بدراوي صاحب المبادئ.

وقد حدثني أكثر من زميل، كان أخرهم مُفكرنا المُخضرم سيد يسن، عن مُبادرات د. حُسام بدراوي في الاتصال، كلما طرح يسن فكرة جديدة تستحق النقاش العام.

لذلك لم أستغرب اتصالاً هاتفياً من حُسام بدراوي عقب نشر حديث لي في صحيفة التحرير، يوم الجمعة 25 أغسطس، عن أوضاع مصر في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، وغياب سُلطة تشريعية مُنتخبة، وتوقعاتي لشكل وتكوين البرلمان القادم، إذا أجريت الانتخابات فعلاً، وكانت حُرة ونزيهة، والذي توقعت فيه أن يعود فلول الحزب الوطني، تحت أي أسماء، وأن يحصلوا على ما بين 25 و35 في المائة من المقاعد. وكانت حيثيات هذا التوقع هو تاريخ السياسة والحزبية في مصر، منذ انتخابات أول برلمان لها بعد ثورة 1919، وإقرار دستور 1923، فقد جاءت عضوية ذلك البرلمان بأغلبية وفدية، حزب سعد زغلول، زعيم ثورة 1919، كان قوامها:

أولاً، أعيان الريف، من متوسطي وكبار أصحاب الأراضي الزراعية.

ثانياً، وجهاء المُدن، من مشاهير التُجار وكبار المهنيين، من مُحاميين وأطباء.

وظلت تلك الكُتلة هي التي تنجح في كل انتخابات تالية سواء في العصر الليبرالي (1924-1952)، أو العصر الناصري (1954-1970)، أو العصر الساداتي (1970-1981) أو المُباركي (1981-2010)، أو العصر الإخواني (2011-2013). ورغم تغيرات في حواف التركيبة الاجتماعية العامة، وما تعرضت له من حِراك، نفسي وسياسي، إلا أن الصورة العامة لم تتغير كثيراً.

وحينما تحدث معي د. حُسام بدراوي هاتفياً، كان في طريقه إلى المطار مطلوباً لرحلة إلى باريس، يُلقي قيها بعض المُحاضرات. فيما يزال الرجل مطلوباً في المنتديات العلمية الطبية والثقافية في الخارج، قبل الداخل. وهذه ميزة أصحاب العلم والخبرة. فمهما تقلبت أمور السياسة من حولهم، إلا أن علمهم وخبرتهم، شأنها شأن المعادن الثمينة، لا يعلوها الصدأ، ولا تفقد شيئاً من قيمتها.

فليت القائمون على أمور التعليم والطب أن يتذكروا دائماً أن مصر مليئة بعناصر نادرة، هم في الواقع الذين يُشكّلون قوة مصر الناعمة. فإذا كانت جغرافيتها، كما علّمنا الراحل جمال حمدان، هي نموذج لعبقرية المكان، فإن أمثال د. حُسام بدراوي هم النموذج الفذ لعبقرية الإنسان فيها.

والله أعلم

وعلى الله قصد السبيل

تعليقات

تعليقات

شاهد أيضاً

نحو مُصالحة وطنية… للانطلاق نحو المستقبل

في يوم واحد، الثلاثاء 15/11/2016، نشرت نشرت وسائل الإعلام المصرية: * ألغت محكمة النقض الحُكم ...