السبت , 20 يناير 2018
الرئيسية » مــقالات » ماذا حدث للمصريين منذ ثورة 25 يناير؟

ماذا حدث للمصريين منذ ثورة 25 يناير؟

د. سعد الدين إبراهيم

الثورات مثل البراكين. وحينما ينفجر البُركان، فهو يقذف نجماً بحِممه وغازاته وسوائله المُشتعلة، والتي تحرق أو تتلف ما تُصادفه في طريقها، ولكنها حينما تهدأ، ولا بُد لها أن تهدأ عاجلاً أو آجلاً، فإن التربة أو الأرض التي تساقطت عليها هذه السوائل، وتفاعلت معها تلك الغازات تتحول تبراً وخصباً ونماءَ. ومن ذلك أن أفراد الجيل الذي يقومون بالثورة، أو أولئك الذين يُقاومونها في ثورة مُضادة يُعانون في لحظات التحول الثوري. وتختلط عليهم الأمور، وتختل عندهم القيم، وتهتز أمامهم المعايير وقواعد السلوك.

وقد برع المؤرخون وعُلماء الاجتماع في توثيق وتحليل لحظات الثورة ـ ما قبلها وما بعدها مُباشرة. كما فعل ذلك في إبداعات درامية الأدباء والشُعراء ـ مثل الإنجليزي تشارلز ديكنز، والفرنسي إميل زولا، وعملاق الأدب العربي نجيب محفوظ، الذي تبدأ ثلاثيته بثورة 1919، وتنتهي بثورة 1952، كما ظهرت حديثاً، عدة روايات تؤرّخ درامياً للعقود الستة التي تفصل بين ثورة يوليو 1952 وثورة يناير 2011.

منذ عدة سنوات كتب الدكتور جلال أمين كتاباً بديعاً بعنوان ماذا حدث للمصريين؟ وكان في الواقع يرصد بكثير من الذفه والحميمية والحنين تأملات وذكريات ما حدث لمصر والمصريين خلال سنوات النصف الأول من القرن العشرين، كما عاشها وخبرها في أحد بيوت الطبقة الوسطى الصاعدة، مع عميدها المُفكر والأديب الراحل أحمد أمين.

وضمن ما رصدناه نحن (سعد الدين إبراهيم) للثورة المصرية الأخيرة (يناير2011) ثلاثة آثار واسعة وعميقة:

* أولها، كسر جدار الخوف عند المصريين، ولأول مرة بعد ستة آلاف سنة، هي كل التاريخ المعروف لمصر ـ أي منذ وحّد الملك نارمر (مينا) الوجهين القبلي والبحري. ولأن ذلك كان حدثاً هائلاً، فقد وقّر المصريون وخافوا الرجل الفرعون، الذي أنجز ذلك الحدث، ومن شدة التوقير والخوف، جعلوا منه “إله” يعبدونه. فالمصرويون القُدماء هم الذين ابتكروا أسطورة “الملك ـ الإله”. وحتى بعد أن عُرفت مصر، اعتنق المصريون أدياناً سماوية ـ مثل اليهودية والمسيحية والإسلام، فإنهم استبقوا توقيرهم للحاكم، وخوفهم منه. ربما كان حُكّام مصر يُسقطون بعضهم بعضاً على مر التاريخ. وكان المصريون سرعان ما يهتفون للحاكم الجديد، ثم يوقرونه، ويخافون منه!

ولكنهم لأول مرة، في يوم 25 يناير 2011، يتحدى المصريون حاكمهم، ثم خلال السبعة عشر يوماً التالية يتلاشى توقيرهم له وخوفهم منه، إلى الدرجة غير المسبوقة التي بدأوا يُرددون فيها “أن الشعب يُريد إسقاط النظام”. إن عبارة “الشعب يُريد…”، كانت الوجه الآخر لكسر حاجز الخوف عند المصريين. وأصبحت عبارة الشعب يُريد…” تسبق كثير من المطالب الفئوية ـ مثل مطالب العمال، والفلاحين، والطلبة.

وبعث شباب مصر الثائر في ميدان التحرير، أبيات القصيدة الخالدة للشاعر التونسي الراحل، أبي القاسم الشابي، “إذا الشعب يوماً أراد الحياة، فلا بد أن يستجيب القدر.. ولا بُد لليل أن ينجلي، ولا بُد للفجر أن ينبلج”.

وهكذا مع كسر جِدار الخوف الذي كان قد تعمق وارتفع على مر القرون، استشعر المصريون القُدرة على تغيير أمور كان يبدو لهم من قبل، أنهم غير قادرين على تغييرها. وعبّروا عن ذلك بمصطلح دخل لغتهم العربية حديثاً، وهو “التمكين”، الذي هو ترجمة لكلمة Empowerment  باللغات الغربية.

* أما التأثير الثاني الذي أحدثته ثورة يناير 2011، فهو تسييس كل المصريين. فقد أصبح كل مصري وكل مصرية يهتم بالسياسة، أي بالشأن العام، الذي كان قد ظل طيلة التاريخ المصري الطويل حِكراً واحتكاراً للنُخبة في قمة المجتمع، أي ما لا يتجاوز خمسة في المائة من المواطنين البالغين. وحضّت الأمثال والأقوال المأثورة المصرين على الابتعاد عن السياسة. من ذلك أن السياسة تُجلب الشرعلى من يقترب منها، وأن “الباب الذي يأتي منه الريح، من الأفضل أن تقفله حتى تستريحّ!” وأن “السياسة تعاسة ونجاسة”. كما شاع أن طاعة الحاكم هي من طاعة الله، وأن الأمر الإلهي هو طاعة الله ورسوله وأولي الأمر منكم، وأن الخروج على الحاكم هو خروج عن المشيئة الإلهية وهو من المعاصي. وروّج الحُكّام لقول مأثور عن المُعتزلة في القرون الوسطى الإسلامية، وهو: من الأفضل أن نتحمل حاكم غشوم، تحاشياً للوقوع في فتنة قد تدوم!

لقد تجاهل المصريون هذا التراث الكثيف يوم 25 يناير، وأصبحوا يهتمون بالشأن العام. ويتمثل ذلك، في السؤال الذي يتوارد على كل لسان منذ ذلك الحين: هي البلد رايحة على فين؟

ولأن ذلك كان في الماضي، سؤالاً فلكلورياً، يسأله من لم يكونوا يُجيدون قراءة لافتات وسائل المواصلات العامة، فقد راجت في أيام الثورة إجابة فلكلورية أخرى: مثل، بادر بالركوب أولاً (اركب الأول ثم اعطي السائق أوامرك)! وهو ما ينقلنا إلى النتيجة الثالثة المُبهرة لثورة يناير، ألا وهي الاستعداد المُتزايد للمُشاركة في العمل العام. وتجلى ذلك في الخروج والتظاهر في الميادين العامة. وأصبح ميدان التحرير في قلب القاهرة هو قبلة المتظاهرين، ومثله ميدان القائد إبراهيم في الإسكندرية، وميدان المحافظة في المنصورة، وعواصم المحافظات الأخرى.

بل ومن الطريف أن أنصار الثورة المُضادة، الذين امتعضوا من ظاهرة الخروج على الحاكم، خرجوا بدورهم، ووجدوا ميادين بديلة يتظاهرون فيها ـ مثل ميدان مسجد مصطفى محمود بضاحية المهندسين، أو مسجد رابعة العدوية بمدينة نصر.

وهكذا بدت مصر كلها في حالة تعبئة عامة، ففي كل من هذه الميادين، كان يتجمع من رُبع مليون إلى مليون مواطن. ولم تتخلف المرأة المصرية عن المُشاركة. بل وتضاعف حماسها للمشاركة حينما حاول الإخوان المسلمون والسلفيون تثبيط همتها، وصرفها عن المُشاركة، إما بالإيعاز إلى شبابهم بالتحرش بالنساء، واعتبارهم سبايا حرب، أو حينما انزلقت القوات المُسلحة مرة إلى سلوك مُتخلف، وهو تعريض بعض الفتيات المُتظاهرات لما سُمي “بكشف العُذرية” ـ اعتقادا بمن أصدروا هذه الأوامر، أن المُتظاهرات لا بد أنهن ساقطات أخلاقياً، أو أن “غشاء البكارة” هو الفيصل في تقييم المواطنة المصرية الصالحة من المواطنة المصرية الطالحة. ولحُسن الحظ، فقد تراجعت القوات المُسلحة عن ذلك السلوك المُتخلف بسرعة، واعتذرت عنه، في سابقة هي الأولى من نوعها، حيث لم يتعود الشعب المصري أن يتلقى اعتذاراً من أي من مؤسسات الدولة. ولكنها الثورة، مرة أخرى، التي هي بُركان يقذف من داخله بما هو نفيس وأيضاً بما هو خسيس.

كذلك كان من أهم طيبات ثورة 25 يناير المُشاركة المُتميزة لأقباط مصر، الذين لم ينتظروا موافقة الكنيسة، بل وكان شبابهم متحفزاً لعصيان أوامر البابا في حالة إصدار توجيهات بعدم المُشاركة، وكذلك لأبناء الريف والواحات. وقد تجلت مشاركة أبناء الريف في شخوص عديد من أبناء قريتنا على سبيل المثال، والذين طالما صادفتهم في ميدان التحرير، مثل الناشط علي عبد الحافظ، وصديقه المحامي رمضان السعيد من قرية طناح.

كذلك فعل بدو سيناء والواحات وأهل النوبة. وقد سبق ونوّهت عن هذه المُشاركة في شخص أحد أبنائها وهو محمد الواحاتي. كذلك عرفت مصر كلها نموذجاً فذاً لمشاركة السيناويين، هو الناشط مسعد أبو فجر، الذي بدأ ظهوره للرأي العام بعد الثورة من خلال مقالاته الأسبوعية في هذه الصحيفة (المصري اليوم) ومن خلال اللقاءات الحوارية في الفضائيات المصرية والعربية.

أي أن ثورة 25 يناير أتت بالمُهمشين السابقين من أبناء المحروسة إلى قلب الأحداث، وإلى المجرى الرئيسي للحياة السياسية المصرية. فلتحيا الثورة ولتحيا كل القوى الاجتماعية الجديدة التي أتت معها.

وعلى الله قصد السبيل logo_1984367513

تعليقات

تعليقات

شاهد أيضاً

نحو مُصالحة وطنية… للانطلاق نحو المستقبل

في يوم واحد، الثلاثاء 15/11/2016، نشرت نشرت وسائل الإعلام المصرية: * ألغت محكمة النقض الحُكم ...