السبت , 20 يناير 2018
الرئيسية » اخبار » ماذا عن فيدرالية مصرية ـ ليبية ـ تونسية؟

ماذا عن فيدرالية مصرية ـ ليبية ـ تونسية؟

د. سعد الدين إبراهيم

semibrahim@gmail.com

من الواضح أن الإرهاب أصبح عابراً للحدود والقوميات. وهو ما ينطوي عليه حتى اسم داعش، أي الدعوة الإسلامية في العِراق والشام.

ولم يقتصر الأمر على الاسم، ولكن أيضاً على الفضاء الذي يتحرك فيه تنظيم داعش. فرغم أن بداياته الجنينية كانت في محافظة الموصل بشمال العِراق، وكان مؤسّسوه هم فلول جيش صدام حسين الذي فضه أول حاكم أمريكي للعِراق، وهو بول بريمر (Paul Bremar)، اعتقاداً منه أن في ذلك قضاء تام على المؤسسة العسكرية العِراقية، التي مثلت صداعاً دائماً للولايات المتحدة، بعد حرب الخليج.

ولم يدر بخُلد بريمر، أو مُساعدوه، أن هناك ظاهرة يعرفها عُظماء الاجتماع جيداً، مؤداها أن لكل فعل إنساني وظائف ظاهرة وعاجلة، وأخرى باطنة ومؤجلة. من ذلك أن ضُباط جيش صدام، وخاصة تحت سن الثلاثين من أعمارهم كانوا ما يزالوا في ريعان الشباب، وذوي لياقة بدنية عالية، وذوي كفاءة مهنية لا يُستهان بها.

ولأن صدام حسين كان يُحابي أبناء الطائفة السُنّية، على حساب الطوائف الأخرى التي يمتلئ بها المجتمع العِراقي ـ مثل الشيعة، والأكراد، والتركمان. فكان معظم شباب الضُباط من أبناء الطائفة السُنّية ينحدرون من أصول عربية، فما كان من هؤلاء الأخيرين إلا تنظيم أنفسهم سراً، واستعداداً لأول فُرصة للقفز على السُلطة.

ولأنهم كانوا قد تربوا سياسياً على العقيدة البعثية القومية الوحدوية، ولكنهم أدركوا في مُقتبل القرن الجديد، الحادي والعشرين، أن الدعوة الإسلامية هي الأكثر جاذبية للأجيال الجديدة، فقد مزجوا الدعوتين القومية والإسلامية.

فما هو دليلنا على هذا الاستنتاج؟

الدليل الأول، هو أنه لو كانت الدعوة إسلامية فقط، لشملت كل بلاد المسلمين، وأكبرها إندونيسيا وباكستان وإيران، ولم تكن لتقتصر على بلاد العِراق والشام.

القرينة الثانية لنفس الاستنتاج، هي أن حزب البعث لم يحكم إلا في العِراق والشام (سوريا)، وأن وصوله للسُلطة في البلدين في ستينيات القرن الماضي كان بالأسلوب الانقلابي الدموي، وهو نفس الأسلوب الذي لجأت إليه وما زالت داعش تُمارسه.

القرينة الثالثة، هي أن داعش تمتد وتتوسع حيثما تكون هناك حالة فوضى، أو فراغ، أو نظام سياسي هش. ولذلك قفزت داعش من العِراق والشام، إلى ليبيا، على بُعد ألف ميل تقريباً، بينما كان الأقرب لها جُغرافياً الأردن والسعودية وفلسطين ومصر. ولكن إدراكها أن السُلطة في الأردن والسعودية وفي مصر، قوية صلبة، بينما هي ليست كذلك في ليبيا، التي ما زالت في حالة قلاقل وسيولة ما بعد ثورة فبراير 2011، فضلاً عن اتساع مساحتها (أكثر من 2.0 مليون كيلو متر مربع).

وكان تجاوز داعش لمصر والأردن والسعودية، مؤقتاً، لذلك سرعان ما أصبح لها موطئ قدم في ليبيا، فإنها بدأت على الفور من خلال أنصارها باختبار صلابة نظام السيسي في مصر، ورد فعله لاستفزازات إعدام مصريين يعملون في ليبيا.

لقد كانت استجابة نظام الرئيس السيسي لاختطاف ولإعدام 21 مصريا، بشن هجمات جوية على قواعد داعش في ليبيا، لا بد أن تكون قد أقنعت الجميع، بأنه يأخذ حياة المصريين وكرامتهم مأخذاً جاداً إلى أخر مدى.

وكان رد فعل السُلطة الليبية الوحيدة المُنتخبة في بنغازي، هو تأييد الضربة الجوية المصرية. بل ويُقال أن القوات الليبية المُنشقة على سُلطة الإسلاميين في طرابلس، قد شاركت في تلك الضربة الجوية. كما عبّر مواطنون ليبيون كثيرون عن ارتياحهم لتأديب تلك العناصر الداعشية الدخيلة على وطنهم.

ولكن الحصافة السياسية، والحكمة الإقليمية يستدعيان استراتيجية أبعد مدى من مُجرد ردود الفعل السريعة للإرهاب داخل نفس البلد، أو عبر الحدود. وهذا ما جرّبته أوروبا، حينما كانت تتعرض دورياً لخلافات أو صراعات دورية على حدودها، أو عبر تلك الحدود. وهو ما دفع كل من ألمانيا وفرنسا أن تُبادر في خمسينيات القرن الماضي بسوق مشتركة، سرعان ما تطورت تدريجياً إلى الاتحاد الأوروبي.

وهو ما ينبغي أن يحفز مصر وجاراتيها إلى الغرب، ليبيا وتونس إلى ترتيبات أمنية، تدعمها تنسيقات اقتصادية لانتقال العمالة والتجارة عبر الحدود، أملاً في كونفيدرالية تجمع البُلدان العربية الثلاثة، فإذا نجحت واستقرت التجربة، فإنها ستُجذب بالقطع، دول جوار أخرى مثل الجزائر والسودان. وهو ما قد يتطور بالفعل إلى ما يُشبه الاتحاد الأوروبي.

ونعتقد أن الاتحاد الأوروبي نفسه لن يُعارض، بل أغلب الظن أنه سيُرحب بوجود كيان إقليمي قوي في جنوب المتوسط، يحفظ الاستقرار في فنائه الخلفي، ويضبط حركة تهريب المُخدرات والهجرة غير الشرعية.

وهكذا، يمكن القول أنه رُبّ ضارة نافعة. فيلكن الإرهاب عبر الحدود، حافزاً للتنسيق، ثم التكامل، ثم الاتحاد بين بُلدان الشاطئ الجنوبي للمتوسط. وليكن ذلك إحياء للحلم العربي، الذي داعب خيال أربعة أجيال عربية مُتعاقبة خلال القرن الماضي، من أجل توحيد أقطار الأمة الواحدة، ذات الرسالة الخالدة.

اللهم قد بلغتاللهم فاشهد

وعلى الله قصد السبيل

تعليقات

تعليقات

شاهد أيضاً

تصاعد حرب التأشيرات بين أمريكا وتركيا .

تصاعدت حدة الصراع بين أمريكا وتركيا علي منح التأشيرات لمواطني الدولتين ، وذلك علي خلفيه ...