الثلاثاء , 23 يناير 2018
الرئيسية » مــقالات » مصر: شُرطي أم ضابط إيقاع الوطن العربي؟

مصر: شُرطي أم ضابط إيقاع الوطن العربي؟

لا شك أن بعض تداعيات زلزال الربيع العربي، هو الفوضى العارمة في عدد من بُلدان الوطن العربي، كما نرى في ليبيا، جارة مصر إلى الغرب، واليمن حارسة مضيق باب المندب، مدخل قناة السويس للملاحة بين أهم قارات العالم، وهم قارتين أكبر صناعيتين وتجاريتين في العالم في الوقت الحاضر، وربما لبقية سنوات القرن الحادي والعشرين.

ولا يوجد بلد عربي في حجم مصر بشرياً، ولا تماسكها اجتماعياً، ولا قوتها عسكرياً، ولا زُهدها عن الأطماع إقليمياً. وهو ما يضع على كاهلها دور القيادة في وطنها العربي. وخاصة أن حالة الفوضى تهدد مصالحها الوطنية مُباشرة.

وقد رأينا منذ أسابيع، كيف أودت حالة الفوضى تلك في الشقيقة ليبيا، بحياة أكثر من عشرين مصرياً، تم ذبحهم نهاراً جهاراً، بواسطة متشددين، بنتمون إلى تنظيم داعش، الذي نشأ بالموصل، شمال العِراق، ثم اجتاح عدة مُدن وقُرى في غرب العِراق، ثم رحفت عناصره إلى شمال شرق سوريا، واحتلت ما يقرب من ثلث مساحة ذلك البلد العربي المحوري، ذو الحدود المشتركة مع تركيا ولبنان والأردن والسعودية. أي أننا هنا بصدد أمر أشبه ما يكون بعاصفة صحراوية عاتية لا تُبقي ولا تذر. فالداعشيون يذبحون الرجال، ويسبون النساء، وينهبون أموال البنوك، وما تحتاجه جحافلهم من غذاء ومتاع. فهم أقرب إلى ما قرأناه في كُتب التاريخ عن المغول والتتار الذين اجتاحوا كل بُلدان أسيا الوسطى والعِراق وسوريا وفلسطين بقيادة تيمور لنك، تستعد للزحف على مصر، دُرة الشرق العربي، وأغنى وأكبر بُلدانه في ذلك الوقت، لولا أن جيوش مصر المملوكية، لم تنتظر، وقابلت تلك الجيوش المغولية ـ التتاريه، في مرج دابق، بفلسطين، وأوقعت بها أول هزائمهم، فتراجعوا إلى سوريا، ونجت مصر من خطرهم الداهم.

وعلى مر القرون الخمسة التالية أصبح من يحكم مصر، لا بد أن يتأكد من تأمين الظهير الحدودي، شرقاً وغرباً وجنوباً، وهي الضرورة التي كانت تدفع مصر، في أحيان كثيرة في تاريخها المُمتد، إلى غزو، واحتلال بُلدان الجوار، حتى تأمن الأخطار الفعلية أو المُحتملة من جانبها.

ولكن منذ أربعينيات القرن العشرين كان عدد مُتزايد من البُلدان التي تتحدث العربية قد استقلت، وسعت إلى الانتظام في منظمة إقليمية واحدة، وهي الجامعة العربية (1945)، والتي وقّع أعضاؤها عدة مواثيق للعمل العربي المُشترك. وكانت تلك المواثيق مُسرفة في تطلعاتها، دون أن تأخذ في الاعتبار، آليات تفعيل ما تنطوي عليه تلك المواثيق، وما يتفرع عنها من مُعاهدات واتفاقيات، أو الضغوط الدولية المُناوئة، وخاصة من القوى العُظمى في فترة الحرب الباردة (1945-1985).

ولم يكن يواكب زيادة عدد الدول العربية المُستقلة، التي تضاعفت ثلاث مرات، من سبع إلى اثنان وعشرين، ظهور آليات فعالة لزيادة التفاعل والتعاون بينها، أو لتسوية وحسم ما قد ينشأ بينها من خلافات، أو توترات، أو صراعات.

وفي غياب تلك الآليات وقع على كاهل أكبر هذه البُلدان العربية، وهي مصر، أن تتحمل تلك المسئولية ـ كما حدث مع الكويت في بداية استقلالها (1961-1962) وهددتها جارتها العِراقية، التي ادعت أن الكويت كانت تاريخياً جزءاً من العِراق، وتريد استردادها، بعد خروج الاحتلال البريطاني منها. وحينما أدرك عبد الناصر عودة ذلك الاحتلال البريطاني بذريعة حماية استقلال الدولة الوليدة، فإنه دفع بقوات مصرية تحت علم الجامعة العربية، كما فعلت مصر ذلك مرة أخرى مع تحالف دولي، تحت علم الأمم المتحدة، حينما احتلها، بالفعل صدام حسين (1990).

كل هذه الاعتبارات المذكورة أعلاه، تعني أن هناك دوراً عربياً إقليمياً يقع على كاهل مصر. وفيما تبقى من حيز في هذا المقال، نستكشف ما يمكن أن يكون عليه مواصفات ذلك الدور، والذي يتراوح بين دور الشُرطي، ودور ضابط الإيقاع.

إن دور الشُرطي، هو دور حافظ النظام بتفويض من سُلطة أعلى، أو من تلقاء نفسه، وينطوي على حفظ النظام بالأوامر، التي يتوقع هو أو من فوّضه أن ينصاع لها المواطنون. وفي السياق الإقليمي يكون الاضطلاع بدور الشُرطي هذا أقرب إلى دور شقيق أكبر ينصاع له الأشقاء أو الأخوة الأصغر. وهو دور فيه من الفرض واحتمالات القهر ما يجعله دوراً غير جذاب. ولذلك سرعان ما يوحي لمن يُحاول الشُرطي السيطرة عليهم وضبط سلوكهم، أن ينتهز أقرب فُرصة للتمرد عليه، والإفلات من سيطرته الفعلية أو المُحتملة.

أما دور ضابط الإيقاع، فهو أشبه بدور قائد الأوركسترا السيمفوني، الذي يقود العازفين بروح الفريق، وحيث يحرص على مُساهمة كل عازف في هذا الفريق. ولذلك يتعاون كل أفراد الأوركسترا بحُب وإعجاب، وعن طيب خاطر، مع ضابط الإيقاع.

وفي السياق الإقليمي العربي، لا يوجد في الوقت الحاضر أفضل من مصر، للقيام بدور ضابط الإيقاع، الذي يمكن أن يقود فيه دولاً عربية أخرى قادرة وراغبة في العزف السيمفوني في منظومة عمل عربي مُشترك تقوده مصر.

وفي الوقت الحاضر (مارس 2015) لا يوجد على الساحة العربية من هو راغب وقادر على عضوية سيمفونية للعمل المشترك، مع مصر كضابط إيقاع، سوى السعودية، والكويت، والإمارات، والأردن. فهذه البُلدان العربية الأربع مع مصر، هي نصف الوطن العربي سُكاناً (مائة وعشرين من مائتي وخمسين) ومساحة (أربعة ملايين كيلومتر مربع، من جُملة ثمانية ملايين كم2). كما أن جاهزية قواتها المُسلحة، هي الأسرع على التعبئة والانتشار، والتدخل السريع، كما فعلت السعودية كجزء من قوات درع الجزيرة في البحرين عام 2011. وكما فعلت مصر بضرباتها الجوية في ليبيا أوائل عام 2015.

ثم أن مصر والسعودية والإمارات والكويت والأردن، تتحكم معاً في أهم المنافذ والمضائق البحرية الحيوية للمنطقة وللعالم ـ وهي مضيق هرمز، ومضيق باب المندب، ومضيق تيران، وقناة السويس، ولدى ثلاثة من الخُماسي، وهم السعودية والكويت والإمارات مخزون نفطي وفوائض مالية، من شأنها أن تُقنع كبار العالم الآخرين (أمريكا والصين وروسيا والاتحاد الأوروبي) على احترام أي تدخل لذلك الخُماسي العربي بقيادة مصر، للحفاظ على استقرار الإقليم، وتأمين وصول النفط من أكبر مُنتجيه، إلى أكبر مُستهلكيه.

وخُلاصة القول أن مصر مُهيأة وقادرة على أن تقوم بدور ضابط الإيقاع الإقليمي في سيمفونية من الخُماسي (المصري ـ السعودي ـ الإمارات ـ الإماراتي ـ الأردني)، والقابل بدوره إل ضم أعضاء آخرين، مُستقبلاً.

أما مهام هذا الخُماسي السيمفوني، فهو التدخل السريع، حيثما تكون هناك اختلالات، أو اضطرابات في الدول العربية عموماً، ودول الجوار خصوصاً. وما لم يملأ هذا الخُماسي الفراغ الإقليمي، فإن دولاً أخرى غير عربية، أو من خارج الإقليم، قد تطمع في ملئ ذلك الفراغ. وهناك من الشواهد ما يؤكد هذا الافتراض، وتحديداً من تركيا أو إيران، من داخل الإقليم، وأمريكا وروسيا وبريطانيا وفرنسا والهند من خارج الإقليم. ودليلنا على ذلك هو أن الدول الخمس كانت استحدثت، ملكية حاملات للطائرات وصواريخ بعيدة المدى إلى ترساناتها الحربية. فعلى مصر أن تتقدم وتقوم بدور ضابط الإيقاع في وطنها العربي.

اللهم قد بلغت ..اللهم فاشهد

وعلى الله قصد السبيل

د. سعد الدين إبراهيم

semibrahim@gmail.com

تعليقات

تعليقات

شاهد أيضاً

نحو مُصالحة وطنية… للانطلاق نحو المستقبل

في يوم واحد، الثلاثاء 15/11/2016، نشرت نشرت وسائل الإعلام المصرية: * ألغت محكمة النقض الحُكم ...